فخر الدين الرازي

183

تفسير الرازي

وأبو عبيدة والأخفش : هما لغتان من فواق الناقة . وهو ما بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع ، يقال أفاق من مرضه ، أي رجع إلى الصحة ، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقاً بالفتح وبالضم ، كقولك قصاص الشعر وقصاصه ، قال الواحدي : والفواق والفواق إسمان من الأفاقة ، والإفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض ، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر ، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع ، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : " يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع ، قال فيمدها ويطولها " وهي التي يقول : * ( ما لها من فواق ) * ثم قال الواحدي : وهذا يحتمل معنيين أحدهما : ما لها سكون والثاني : ما لها رجوع ، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ، ويقال لكل من بقي على حالة واحدة ، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق ، والله أعلم . قوله تعالى : * ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب * اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ) * . اعلم أنا ذكرنا في تفسير قوله : * ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) * ( ص : 4 ) أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاثة أولها : تتعلق بالإلهيات ، وهو قوله : * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً ) * والثانية : تتعلق بالنبوات ، وهو قوله : * ( أأنزل عليه الذكر من بيننا ) * ( ص : 8 ) والثالثة : تتعلق بالمعادة ، وهو قوله تعالى : * ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) * وذلك لأن القوم كانوا في نهاية الإنكار للقول بالحشر والنشر ، فكانوا يستدلون بفساد القول بالحشر والنشر على فساد نبوته ، والقط والقطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط ، ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد المؤمنين بالجنة ، قالوا على سبيل الاستهزاء : عجل لنا نصيبنا من الجنة ، أو عجل لنا صحيفة أعمالنا حتى ننظر فيها . واعلم أن الكفار لما بالغوا في السفاهة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالوا : إنه ساحر كذاب وقالوا له على سبيل الاستهزاء : * ( عجل لنا قطنا ) * أمره الله بالصبر على سفاهتهم ، فقال : * ( اصبر على ما يقولون ) * فإن قيل . أي تعلق بين قوله : * ( اصبر على ما يقولون ) * وبيّن قوله : * ( واذكر عبدنا داود ) * ؟ قلنا بيان هذا التعلق من وجوه الأول : كأنه قيل إن كنت قد شاهدت من هؤلاء الجهال جرائتهم على الله وإنكارهم الحشر والنشر ، فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن